السيد محمد باقر الصدر

65

دروس في علم الأصول ( الحلقة الثالثة )

مائع مّا خمراً فلا تشربه ، فحرمة الشرب مقيدة بأنْ يكون المائع خمراً ، سواء وجد خارجاً أو لا ، فإذا شُك في أنَّ الفقاع خمر أو لا مثلا ، جرت البراءة عن الحرمة فيه ، وبهذا صَحَّ القول بأنَّ البراءة تجري كلَّما كان الشك في قيود التكليف ، وأنَّ قيود التكليف تارة تكون على وزان مُفاد كان التامة بمعنى إناطته بوجود شيء خارجاً ، فيكون الوجود الخارجي قيداً « 1 » ، وأخرى يكون على وزان مُفاد كان الناقصة ، بمعنى إناطته « 2 » باتصاف شيء بعنوان « 3 » ، فيكون الاتصاف قيداً ، فإذا شك في الوجود الخارجي على الأول ، أو في الاتصاف على الثاني ، جرت البراءة ، وإلّا فلا . وعلى هذا الضوء نستطيع أن نعمم فكرة قيود التكليف التي هي على وزان مُفاد كان الناقصة على عنوان الموضوع وعنوان المتعلّق معاً ، فكما أنَّ حرمة الشرب مقيدة بأَنْ يكون المائع خمراً ، كذلك الحال في حرمة الكذب ؛ فان ثبوتها لكلام مقيد بأَنْ يكون الكلام كذباً « 4 » فإذا شُكَّ في كون كلام كذباً كان ذلك شكاً في قيد التكليف . وهكذا نستخلص : أَنَّ الميزان الأساسي لجريان البراءة هو الشك في قيود التكليف ، وهي تارةً على وزان مفاد كان التامة كالشك في وقوع الزلزلة التي هي قيد لوجوب صلاة الآيات ، وأخرى على وزان مُفاد كان الناقصة بالنسبة إلى عنوان الموضوع كالشك في خمرية المائع ، وثالثة على وزان كان الناقصة بالنسبة إلى

--> ( 1 ) . فالقيد نفس وجود الشيء خارجاً ، كالزلزلة ؛ فإن نفس وجودها قيد في وجوب صلاة الآيات . ( 2 ) . أي : إناطة التكليف . ( 3 ) . كاتصاف المائع بالخمرية . ( 4 ) . فكلّما اتصف الكلام بصفة عدم المطابقة للواقع ، فهو حرام .